التحرش المدرسى المتبادل

0 تعليق 18 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يجب أن نعترف بأن عملية التحرش المدرسى أصبحت «ظاهرة»، المُدرسة التى تعرضت للتحرش الجماعى من تلاميذ مدرسة طلخا بالدقهلية ليست الأولى ولا الأخيرة، ولا مُدرسة أبوالمطامير بالبحيرة، التى احتضنها أحد التلاميذ المراهقين، ولا حتى تلميذات إحدى المدارس الخاصة بالزمالك بالقاهرة، اللاتى تعرضن للتحرش من أحد المدرسين. التحرش أصبح متبادلاً بين المدرسين والطلاب والطالبات، لم يعد الأمر مقتصراً على الشوارع، أو ميادين المظاهرات الثورية، أو حول دور السينما، الأمر أصبح يتعلق بالأخلاق العامة، إلا أنها بالتأكيد حينما تصبح «ظاهرة»، فهى كارثة، وحينما تصبح «ظاهرة» بدور العلم، فلا أجد توصيفاً مناسباً لها، سوى أن المجتمع يمر بأزمة أخلاقية، تفوق بكثير أزماته السياسية والاقتصادية.

منذ أن أتحفنا الراحل على سالم بروايته الشهيرة، «مدرسة المشاغبين»، فى سبعينيات القرن الماضى، وكان العد التنازلى لعلاقة الاحترام بين المدرس والتلميذ، بدأت بمقالب التلاميذ فى أستاذهم، بل وفى السيد «نااااظر المدرسة»، بل امتد الأمر إلى عدم احترام ولى الأمر، ثم الكبير بصفة عامة، بل المجتمع ككل، إلا أن هذا الانهيار الأخلاقى ظل كامناً، بلا ضجيج، لا أحد يستطيع البوح به بنفس هذا القدر الذى عليه الحال الآن.

الغريب فى الأمر حالياً هو أن أولى الأمر يذهبون إلى المدارس يناصرون أبناءهم فيما اقترفوه من قلة أدب، وتجاوز مع المدرس أو المُدرسة، بل رأينا الأب أو الأم يذهبان إلى المدرسة للاعتداء على المدرسين فى وجود التلاميذ، الأكثر من ذلك ما حكاه لى نائب رئيس إحدى الجامعات أنه قام بطرد أحد الطلاب حينما فوجئ به «سكران»، أُكرر: «سكران» داخل مدرجات الجامعة، فذهب ولى أمر الطالب فى اليوم التالى معترضاً، ومعترفاً بأنه يعلم بسُكر ابنه، وأنه هو الذى يأتيه بالمُسكرات، وأن الجامعة لا دخل لها بسلوكه الخاص، حتى لو أتى إليها «سكراناً»، هكذا قال.

بعد عدة شهور، فوجئ نائب رئيس الجامعة بولى الأمر يدخل عليه مكتبه مجدداً، وهو فى حالة إعياء شديدة، معتذراً له عن سلوكه وسلوك ابنه، الذى لقى مصرعه، قبل عدة أيام، حينما كان يقود سيارته مخموراً، ولكن بماذا يفيد الندم؟! رحم الله الجميع.

لم نعد أيها السادة نسمع، لا داخل المدرسة ولا خارجها، بيت الشعر القائل: قُم للمعلم وفّه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا، أو حتى ذلك القول المأثور: مَن علمنى حرفاً صرت له عبداً، ولن أنسى فى هذا المقام تلك الحفاوة التى استقبل بها الرئيس الراحل أنور السادات ذلك الشيخ المعلم الذى حفّظه القرآن الكريم، فى كُتَّاب قريته ميت أبوالكوم، ولا تلك الصورة الشهيرة للرئيس التركى رجب طيب أردوغان، وهو يُقبِّل يد مُعلمه فى المرحلة الابتدائية، أو الزيارة الخاصة لمصر، والتى قام بها أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة، للعزاء فى مُعلمه بالمرحلة الابتدائية أيضاً.

رحم الله زماناً كان التلميذ فى القرية يخجل من المرور من أمام بيت المُدرس، خشية رؤيته، أو كان التلميذ يحرص على تقبيل يد المدرس، عرفاناً بما قدمه له من علم ومعرفة، ولكن لأن عملية التحرش التى نحن بصددها أصبحت متبادلة بين طرفى العملية التعليمية، فيجب أن نعترف بأن المسؤولية تصبح أيضاً مشتركة، فهناك من التلاميذ مَن ليسوا «وِش تعليم»، كما بين المدرسين مَن ليسوا «وِش تدريس»، بمعنى أن هناك تلميذا لا يجب أن يستكمل تلك المسيرة، ولا أن تنفق عليه الدولة مليماً واحداً، كما أن هناك بين المدرسين مَن ليس جديراً بهذه المسؤولية، وبالتالى لا يجب أن نأتمنه على أبنائنا وبناتنا، ولا يجب أن يتقاضى أيضاً من الدولة أى شىء.

الأول لم يستطع أهله وذووه المساهمة فى تأهيله أخلاقياً إلى الحد الذى يجعل منه تلميذاً صالحاً، والثانى لم يُفلح التعليم فى أن يجعل منه معلماً، أو مواطناً صالحاً، فلا يجب بأى حال أن تكون العقوبة مع الأول مجرد حرمانه من امتحان المادة، أو حتى امتحان العام، كما لا يجب أبداً أن تقتصر عقوبة الثانى على الخصم من الراتب، أو الوقف عن العمل لفترة ما.

أعتقد أن الأمر أكبر من ذلك بكثير، بما يتطلب الكثير من الإجراءات التى تعيد للمدرس مكانته داخل الفصل، وفى بدايتها عملية تقويم واسعة لأولياء الأمور الذين تظهر من أبنائهم مثل هذه السلوكيات، وكذلك بأن تخضع مهنة التدريس لعملية اختيار دقيقة، ثم عدم التهاون فى الأخطاء، لا فى هذه، ولا فى تلك، مع الأخذ فى الاعتبار أن هناك من الأخطاء ما لا يجوز معه التعامل بفلسفة: عفا الله عما سلف.

------------------------
الخبر : التحرش المدرسى المتبادل .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق