عاجل

المقال الأخير للكاتب الراحل علي سالم

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

على الأرجح، حكيت لك هذه الحكاية عن الحق والباطل منذ أربعين عاما، كان الحق والزور يمشيان معاً، ربما تندهش لهذه العلاقة الغريبة، كيف ينسجم الحق مع الزور، الواقع أنهما يمشيان معا طوال الوقت منذ بدء الخليقة. بل إن البعض يقول إن كلاً منهما اكتسب ملامح الآخر من طول العشرة، ليل ونهار يمشيان معا، قطعا السهول والوديان والصحارى وكان يجب أن يأتى الوقت الذي يشعر فيه كل منهما بالتعب فقال الزور للحق: أنا تعبت.. وأنا أعرف أنك كريم تتحمل من أجل الآخرين، ولذلك أنا واثق أنك ستوافق على أن أركبك؟

انتفض الحق وقال مستنكراً: مستحيل أن تركبنى.. أنا الحق وأنا مُتعب أيضا.. المنطقى والمعروف فلسفيا وتاريخيا أن الحق هو الذي يركب.

فقال الزور: لقد اختلفنا.. ولا أريد لهذا الخلاف البسيط أن يتحول إلى عداوة.. في هذه الحالة لابد أن نعود لنسأل الناس، في مثل هذه القرارات الخطيرة لابد أن نرجع للشعب.. وعلىّ أنا وأنت أن نمتثل للقرار الذي سيتخذه الشعب.. وأن ننفذه عن طيب خاطر.

وبدأ الاستعداد للاستفتاء الكبير الذي سيجيب فيه الشعب على سؤال واحد: الحق والزور.. من يركب ومن يمشى؟

كان من الواضح منذ البداية اكتساح الحق للاستفتاء، النسبة الغالبة من الناخبين كانت مع الحق، وخرجوا في مظاهرات عديدة كان شعار الحقانيين فيها هو: إحنا نركب.. هو يمشى.

أما الجماعات المناصرة للزور فكان شعارها: إحنا نركب.. هو يمشى. وفى يوم الاستفتاء قال الشعب كلمته: الحق يركب..

ومن يومها، الحق راكب بس الزور هو اللى ماشى.

للوهلة الأولى ربما تظن أن الأجداد أبدعوا هذه الحدوتة للإعراب عن يأسهم. الواقع أن الحدوتة في كل لغات الأرض لا تحمل قيماً سلبية، بل هي تعمل على تقدم البشر من خلال مفاهيم مقاومة تضخها في شرايينهم. هي هنا تحذر من خطر الكلمات المخادعة والمراوغة. وفيها أيضا جرأة إبداعية وذلك بإقامة علاقة دائمة بين النقيضين الحق والزور. أما القدرة على التلخيص والاختزال فقد وصلت إلى درجة رفيعة في فن الحكى. الواقع أن الزور كان يعرف نتيجة الاستفتاء سلفاً، كان يعرف أن الناس ستحكم بأن يركبه الحق، هو يعرف ذلك بل هو قد استدرج الحق لتنفيذ رغبته، ومع ذلك سيكون هو الرابح لأنه سيسود الشارع، بينما يتحول الحق إلى مجرد شعار مرفوع.

عبقرية الحدوتة في استخدام كلمة «ماشى ويمشى» التي نستخدمها بمعنى الموافقة، أو السائد، أو السير على قدمين، وهو المعنى الذي كان يقصده الاستفتاء. الحدوتة هنا تحذر من خطورة استخدام الكلمات الغامضة وغير محددة المعنى. هذا هو بالضبط ما يجب أن نحترس منه.

------------------------
الخبر : المقال الأخير للكاتب الراحل علي سالم .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق