عاجل

ربحنا القليل وخسرنا الكثير.. والآن ما العمل؟

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

بين الوقت الذى أنشئت فيه وزارة الثقافة ووقتنا الراهن، ما الذى ربحته الثقافة المصرية، وما الذى خسرته؟

لاشك فى أن إنشاء الوزارة كان مكسباً فى حد ذاته، لأنه اعتراف من الدولة بأن رعاية الثقافة وتنميتها وإتاحتها لكل المصريين واجب من واجباتها. وقد انتهز النظام الحاكم فى ذلك الوقت، نظام عبدالناصر، فرصة المد الوطنى الذى قرب بينه وبين الجماهير الشعبية وبالتالى بينه وبين المثقفين ليخطو خطوته الأولى فى هذا السبيل.

فى ذلك الوقت، أواسط الخمسينيات من القرن الماضى، كان النظام قد نجح فى عقد معاهدة مع المحتلين الإنجليز تحقق جلاءهم عن البلاد، كما شارك فى تأسيس كتلة عدم الانحياز التى منحت الاستقلال الوطنى إطاراً دولياً. وأخيراً أمم القناة فالتفت حوله الجماهير الشعبية التى كانت قد انقسمت بينه وبين الأحزاب السياسية والقوى الديمقراطية التى كانت تطالب بعودة الجيش إلى ثكناته وتسليم السلطة للمدنيين، فوقع الصدام بينها وبين النظام العسكرى.

وفى هذا الصدام وقف المثقفون أو غالبيتهم إلى جانب الدستور والديمقراطية حتى نجح النظام فى كسب الشارع وأخذ يعمل من ثم على مد الجسور بينه وبين المثقفين، فكان المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب هو الشكل الذى مكّن النظام من توجيه النشاط الثقافى بواسطة المثقفين أنفسهم ودون أن يتدخل فى نشاطهم بصورة مباشرة. فالمجلس مشكل من أعضاء دائمين اختيروا من بين كبار المثقفين المستقلين أو الذين قبلوا أن يتعاملوا مع النظام داخل هذا الإطار، إطار المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب الذى مارس نشاطه بواسطة لجان يختص كل منها بفن من الفنون، وتتألف من عضو دائم يكون مقرراً للجنة، وأعضاء غير دائمين يختارهم المقرر من بين المشتغلين بالفن الذى خُصصت اللجنة لرعايته.

وقد استطاع المجلس فى تلك السنوات أن يحتل مكاناً متميزاً فى الحياة الثقافية، لكنه اعتمد فى هذا على أسماء أعضائه المشاهير أمثال طه حسين، وعباس محمود العقاد، وتوفيق الحكم.. كما اعتمد هؤلاء أيضاً عليه فى صراعهم الذى احتدم فى الخمسينيات والستينيات مع الأجيال الجديدة. وضمن هذه الحدود كان المجلس يعمل وكان يؤدى دوره، فهو ينشر بعض المؤلفات، ويعقد بعض الندوات، ويرسل بعض الوفود، ويوزع جوائز الدولة، لكن نشاطه هذا كان بديلاً عن النشاط الحر فضلاً عن أنه كان ميالاً للمحافظة، مناوئاً فى بعض الأحيان للتجديد. ولاشك فى أن هذا الاتجاه المحافظ فى نشاط المجلس كان له معناه السياسى. فالمثقفون المحافظون أقرب إلى النظام الحاكم من المجددين الذين كانوا يساريين أو متعاطفين مع اليسار، وكانوا يمارسون نشاطهم ويفرضون وجودهم من خلال المؤسسات والجهود الخاصة، وهذا ما دفع النظام لأن يخطو خطوة أبعد فى طريق الهيمنة على الثقافة، خاصة والمناخ مهيأ للهيمنة والانفراد بالسلطة والبقاء فيها. فقد أُعلنت الوحدة المصرية - السورية، ولم تمض إلا شهور خمسة حتى استولى الضباط العراقيون على السلطة وأصبح انضمام العراق للوحدة المصرية - السورية أملاً يخايل الكثيرين ويغرى نظام عبدالناصر بتوسيع سلطاته فى كل المجالات، وهكذا أنشئت وزارة الثقافة.

ما الذى ربحته الثقافة المصرية من إنشاء الوزارة؟ وما الذى خسرته؟

الواقع أنها ربحت أشياء، لكنها ضيعت فى مقابل ما ربحته الكثير.

الثقافة ربحت أول ما ربحت اعتراف الدولة بأنها نشاط إنسانى ووطنى حيوى، كما سبق أن ذكرت، وأن تثقيف المواطن استكمال منطقى لتعليمه وتأهيله ليؤدى دوره المنتظر فى نهضة بلاده، وعلى هذا الأساس رسمت الوزارة سياساتها فهى ترعى الإنتاج الثقافى الرفيع الذى لا تستطيع الجهود الخاصة أن تتحمل تكاليفه، وهى تيسر وصول هذا الإنتاج للقاعدة الواسعة وللمواطن البسيط.

وقد استلزمت رعاية الإنتاج الرفيع إنشاء أكاديمية الفنون بمعاهدها المختلفة لتطعيم النشاط الثقافى المصرى بالفنون التى لم يعرفها من قبل، فضلاً عن الفنون التى كنا نشتغل بها دون أن تتوفر للعاملين فيها فرصة دراستها فى مصر. كما استلزم وصول الإنتاج الثقافى للقاعدة الواسعة إنشاء الثقافة الجماهيرية، وقد تولى وزارة الثقافة بعد إنشائها ضابط مثقف هو ثروت عكاشة الذى قام بتنفيذ هذه السياسة خير قيام فأنشأ فرق الباليه، والأوبرا، والأوركسترا السيمفونى، وأنشأ أكاديمية الفنون والثقافة الجماهيرية التى أصبحت تسمى الهيئة العامة لقصور الثقافة.

هذا النشاط الحافل كان مشروطاً بأنه امتداد طبيعى للمشروع الناصرى المنقول بتصرف من نظم أوروبا الشرقية التى وضعت الدولة فوق المجتمع، وجعلت الخبز بديلاً عن الحرية والديمقراطية. وقد نجح هذا النشاط وازدهر فى السنوات التى ازدهر فيها النظام الناصرى حتى حلت هزيمة يونيو بالنظام، وأعقبها سقوط النموذج - أعنى انهيار نظم أوروبا الشرقية - فتراجع النشاط الثقافى بشدة، لأن الدولة فقدت سطوتها وعجزت عن تبرير أبوتها فى الوقت الذى رحل فيه الكبار، وتراجعت طاقات المجتمع المدنى فى ظل الحكم المطلق القابض على كل شىء، وخلت الساحة لجماعات الإسلام السياسى التى اعتبرت هزيمة يونيو انتصاراً لها، ووجدت فى مناخ الهزيمة متسعاً لنشر ثقافتها المعادية للثقافة، وهكذا نقارن الآن بين ما كان لنا من الثقافة قبل إنشاء وزارتها وما بقى لنا الآن، فنجد أننا ربحنا القليل وخسرنا الكثير.

فى أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات حين لم يكن عددنا يزيد على ثمانية عشر مليوناً كنا نصدر أكثر من عشرين مجلة متخصصة فى الشعر والقصة والأدب بشكل عام، منها الرسالة، والثقافة، والكاتب المصرى، والكتاب، والشاعر، والرواية، ومجلتى، والمجلة الجديدة، والفجر الجديد.. والآن بعد أن اقترب عددنا من تسعين مليوناً لم يعد لدينا إلا بضع مجلات فصلية لا تصدر دائماً بانتظام.

وفى المسرح، كان لدينا بالإضافة إلى المسرح القومى مسرح نجيب الريحانى، والمسرح الحر، ومسرح إسماعيل ياسين، والفنانين المتحدين، وفرقة تحية كاريوكا. وكان لدينا فى التأليف توفيق الحكيم، ونعمان عاشور، وألفريد فرج، ويوسف إدريس، وسعد وهبة، وأحمد على باكثير، وعبدالرحمن الشرقاوى، وصلاح عبدالصبور، ومحمود تيمور.. وفى التمثيل والإخراج يوسف وهبى، وزكى طليمات، وحسين رياض، وحسن البارودى، وشفيق نور الدين، وتوفيق الدقن، وأمينة رزق، وسناء جميل، وسميحة أيوب، وكرم مطاوع. والآن؟

وفى السينما كنا ننتج فى العام حوالى مائة فيلم تنتظرها دور العرض فى مصر وفى الأقطار العربية الأخرى.. وقد تراجعت هذه الصناعة عندنا كماً وكيفاً، فلم نعد ننتج إلا بضعة عشر فيلماً يفتقر معظمها للجودة ويفشل فى الوصول للجمهور.

بل نحن خسرنا ما كنا نملكه من أدوات الإنتاج الثقافى ومواده وعناصره الأولية. ويكفى أن نقارن بين تعليم الأمس وتعليم اليوم، وبين لغة الأمس ولغة اليوم، وجمهور الأمس وجمهور اليوم، وإعلام الأمس وإعلام اليوم.. ويكفى أن نتذكر ما فعله قانون الحسبة بالكتاب والفنانين، وما فعلته الدعوة لاعتزال التمثيل، وتحريم رسم الأشخاص وقبول المنتقبات فى كليات الفنون الجميلة!

والحل؟

الحل أن تتخلى وزارة الثقافة عن كل ما يستطيع النشاط الحر أن ينهض به، وأن تركز جهودها فى رعاية الإنتاج الثقافى الرفيع واحتضانه وتزويده بما يلزمه من كفاءات وطاقات فنية ونفقات وتيسير وصوله للمواطنين. وإذن فعلى الوزارة أن تقصر جهودها على العمل فى أكاديمية الفنون، والمسرح القومى، وفرق الباليه والأوبرا والأوركسترا السيمفونى، والمجلات المتخصصة، والمشروع القومى للترجمة وهيئة قصور الثقافة، على أن يتحول المجلس الأعلى للثقافة إلى برلمان يضع السياسات الثقافية ويراقب تنفيذها، ويدافع عن حرية التفكير والتعبير، ويمكّن المثقفين من ممارسة سلطتهم الأخلاقية وأداء دورهم فى المجتمع، ولهذا يجب أن تكون عضوية المجلس بالانتخاب إلا لمن يحصلون عليها بحكم وظائفهم.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

------------------------
الخبر : ربحنا القليل وخسرنا الكثير.. والآن ما العمل؟ .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق