تمام يا افندم.. حرقنا العشة!

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

(1)

يحكى أن، وليس كل ما يحكى حَدَثَ حرفياً، فالخيال في كثير من الأحيان أكثر تعبيرا عن الواقع، وأكثر حفظاً للعبرة واستخلاصا للحكمة، وأكثر اتساقاً مع العقل، وأكثر فائدة للمستقبل.

(2)
يحكى أن جدك القديم جدا، الذي عاش في العصور البدائية قبل اختراع النار، شعر بالملل من أكل النباتات (أوراق شجر، ثم خضروات وفاكهة)، وذات يوم وجد بقايا فريسة اصطادها وحش من وحووش الغاب، يومها تذوق جدك لأول مرة لحم الغزال، وفكر في كيفية الحصول عليه، ولم يكن أمامه إلا تعلم الصيد، ظل سنوات يحاول حتى اهتدى إلى صنع أدوات من الأحجار اصطاد بها أول غزال، وبدأ عهدا جديدا من تناول اللحوم، وبعد زمن طويل، وذات نهار شتوي مشرق جلس جدك البدائي داخل «عشته» عند سفح الجبل يستعد لالتهام الغزال الذي اصطاده تواً، فإذا بانفجار (بدائي الصنع طبعا فالعالم كله كان بدائياً) يفزعه، ولما نظر أعلى الجبل وجد ناراً تتصاعد من فوهة الجبل (بركان)، وتتناثر في محيط كبير ففر هارباً بعيداً عن «العشة» التي التهمتها النيران.
مرت ساعات النهار والليل طويلة، شعر خلالها جدك بالجوع، ومع إشراقة الصباح دفعه الجوع للعودة إلى مكان «العشة» ليتفقد غزاله المفقود، لكنه وجد كوما من التراب المحترق، فجلس بالقرب واجماً لا يعرف ماذا يفعل؟!، وفي هذه الأثناء تسللت إلى أنفه رائحة مثيرة زادت من جوعه وأسالت لعابه، ولما تتبعها وجدها تخرج من تحت العشة المحترقة، فنبش التراب ورأى غزاله متفحماً فحزن أكثر، لكن الجوع دفعه أكثر لاكتشاف ما تحت الجلد المتفحم، وكم كانت سعادته عندما وجد بعض اللحم الطري الصالح للأكل، فتناوله، وفوجئ أنه ألذ وأشهى من لحوم الغزال التي أكلها من قبل، وعرف أن النار تُنضج اللحم وتمنحه طعما رائعاً، لذلك بعد أن هدأت الطبيعة وعاد جدك إلى الصيد قرر أن يهجر اللحم النيئ ويأكل الشواء، وطبعا ظل ينتظر نار البركان حتى يئس، وقال لنفسه: «لا يجب أن أنتظر نيران الجبل، فهي بلا موعد، يمكنني الحصول على النار بقدح الحجارة بعضا ببعض كما رأيت من قبل»، وسأل نفسه: لكن كيف أجعل النار تُنضج لحم الغزال؟
ولما كان البدائي بدائياً، فقد اهتدى إلى الحل الذي يناسب تفكيره وخبرته ومشاهداته: أن يضع الغزال داخل العشة ويشعل فيها النيران!

(3)
نعم.. ظل جدك البدائي سنوات طويلة كلما أراد أن يشوي الغزال، يحرق «العشة» التي تعب في بنائها من غصون الأشجار الجافة.

(4)
قد تضحك الآن ساخرا من هذه السذاجة، وتتندر على العقلية المتخلفة لجدك البدائي الذي عاش سنوات طويلة من عمره أسيراً لفكرة جامدة لمجرد أنه تعرض لها من قبل كحادثٍ ظل تفكيره المحدود عاجزاً عن استيعاب أسبابه، والتفاعل معها بشكل صحيح، طبعا لم تكن عقلية جدك قد تطورت للدرجة التي تجعله يبتكر حلاً أسهل للوصول إلى نفس الهدف. مسكين يا جدي (مكانش عندك تعليم ولا جامعات ولا مراكز أبحاث ولا إنترنت).. لكن ما عذر أحفادك يا جدي؟.. هل يحق لهم أن يفعلوا ذلك الآن، في عصر الميكرويف والنيتفليكس والنانو تكنولوجي؟
أسند ظهرك إلى الكرسي، ولا تتسرع بالإجابة قبل أن تأخذ نفساً طويلاً ووقتاً في التفكير.
.........
.......
.....
...
.

(5)
من الناحية العلمية والنفسية يفسر العالم الروسي بافلوف هذا التصرف حسب نظرية «رد الفعل الشرطي المنعكس»، بمعنى أنك إذا حبست قردا في قفص وقرعت الجرس قبل أن تقدم له الموز، فإن لعابه يسيل بعد ذلك لمجرد قرع الجرس من غير أن تقدم له الطعام، وهكذا يرتبط «حرق العشة» بطعم الشواء، وترتبط ذكرى ثورة 25 يناير بإغلاق محطة مترو السادات، وإغلاق ميدان التحرير كله، لتصبح سياسة النظام البدائي: كلما سمعت سيرة الثورة أحرق العشة.. كلما هلت ذكرى 25 يناير أقفل الميدان!.

(6)
العقلية البدائية لم تتعلم بعد طريقة أسهل وأكثر تحضراً للاحتفال بالثورة، من دون أن تحرق «العشة».. إذن فلنحرق العشة حتى لا يسقط النظام، فلنحرق العشة حتى نظل في أمان، فلنحرق العشة لنتجنب الثورة... لكن أيها البدائيون: أليس التعلم أسهل، والتطور أفضل، والبحث عن حلول أخرى أفضل من هذه الجمود؟

(7)
كل 25 يناير وأنتم أحرار، كرماء، ثوار من أجل العدل والحرية والكرامة... ثورة يناير مش محطة مترو، ولا يافطة ولا ميدان... #إحنا_ثورة_يناير

tamahi@hotmail.com

------------------------
الخبر : تمام يا افندم.. حرقنا العشة! .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق