عاجل

عودة العقل الرشيد

0 تعليق 3 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الدعوات الصحيحة فى مصر كثيرة من أول إعطاء أولوية للتعليم، وضرورة أن تكون التنمية شعارنا، وحتى عودة المكانة الإقليمية والدولية لمصر؛ ولكن صحة الدعوة ونبلها وأهميتها لا يغنى أبدا عن السؤال: كيف؟ والسؤال الأصعب: ما الثمن؟ والسؤال الذى لا يقل صعوبة: ماذا نعنى بذلك تحديدا؟ شىء مثل ذلك يجرى فيما يخص «تجديد الخطاب الدينى»؛ فبعد العنوان الذى يعنى أن حالة الخطاب الدينى على ما هى عليه، قادتنا إلى مزيد من التطرف ومنها إلى العنف، ومن العنف إلى الإرهاب، وبعد ذلك كله لعنة عالمية، وبلاد مقسمة، ومذابح لا تعرف الرحمة. النتيجة هى أنه بات لدينا حاجة ملحة لتجديد الخطاب الدينى؛ ولكن ما إن تدخل إلى لب الموضوع حتى تكتشف أن المسألة ليست تجديدا، وإنما هى بعث كما قيل لجوهر الدين الصحيح. هنا تتعقد المسألة أكثر لأن الجوهر الصحيح ليس بالوضوح الذى نتصوره عند البداية، وعندما كون الأزهر لجنة عليا للنظر فى المناهج وتجديد الخطاب الدينى كانت النتيجة كما جرى شرحها فى التليفزيون لا تختلف كثيرا أو قليلا عن ذلك الخطاب الذى نود تغييره.

لهذا الأمر على أى حال أهله وفقهاؤه ومفكروه، ومشكلته فى الواقع أن الحدود غير واضحة ما بين التجديد وما يمكن اعتباره «ازدراء الأديان»، وهى مسافة يمكن أن تتسع لكى تشكل القضية ما بين الحرية والسجن. مازالت الفرصة قائمة على أى حال، وهناك من يحاول ويجتهد، ومن يعلم ربما نصل يوما إلى كلمة سواء. هنا فإن هناك طريقة أخرى للتفكير فى الموضوع، وقوامها أننا لا نبحث عن تجديد الخطاب الدينى، وإنما عن تغيير السلوك الدينى بحيث نعود إلى تلك النقطة التى كانت فيها الأغلبية الساحقة من المواطنين غير متطرفين، وغير جاهزين لارتكاب أعمال العنف والإرهاب.

المسألة كلها تستحق التحرير التاريخى ربما منذ نشأة الدولة المصرية الحديثة عام ١٩٢٢ عندما كان هناك مشروع ليبرالى يقوم على التعددية. كانت هناك مائة وردة تتفتح، فكان الليبرالى والشيوعى والاشتراكى والسلفى والإخوان المسلمين بالطبع؛ مساحة واسعة بين اليمين واليسار تعمل من أجل النهضة المصرية على الطريقة الأوروبية. التيار الدينى كان موجودا ولكنه ضمن تيارات عديدة، وحينما تطرف واجهته الدولة بحسم ومعها الجمهور العام للمثقفين والنخبة والجمهور العام. وانتهى المشروع الليبرالى لأسباب يطول شرحها وجاء بعده المشروع الناصرى الذى بدأ بمصالحة كبيرة مع الإخوان، ولكنه بعد عام ١٩٥٤ أصبح له مشروعه الخاص مجسدا فى القومية العربية، والوحدة العربية، والاشتراكية العربية (أو التطبيق العربى للاشتراكية كما اختلف الناس وقتها). على مدى عقد تقريبا ساد هذا المشروع الفكرى، وانسحبت التيارات الأخرى حتى ولو لم تختف تماما، ومن ظهر له رأس مثل عبدالقادر عودة أو شهدى عطية جرى قطفه. كان الفضاء الفكرى ممتلئا حتى الحافة إلى أن انتصفت الستينيات وامتلأ الفضاء بالغيوم، والأرض بالشروخ. فى عام ١٩٦٥ انتهت الخطة الخمسية الأولى للتنمية، ولم يعقبها خطة خمسية أخرى، وكانت مشاريع الوحدة قد فشلت الواحدة وراء الأخرى، ولم يفهم أحد إذا كان العرب أمة واحدة، فلماذا يوجد بينهم كل هذه الفرقة، وكل تلك الحروب؟ كان المشروع الناصرى آخذا فى التآكل حتى جاءته الصدمة الكبرى فى يونيو ١٩٦٧.

انهار المشروع ولم يكن هناك مشروع آخر، وفى البداية كان العنف شديدا فى مواجهة عنف أشد كما حدث مع محاولة سيد قطب لترويع البلاد، ومع فشله جاء التيار الذى قرر أن يكون تغيير السلوك الدينى هو القضية. بداية السبعينيات كانت هى البداية ومن ساعتها بدأ تغيير السلوك الفردى فلبست النساء الحجاب، ومن بعده بعقد تقريبا جاء النقاب. أصبح على كل مصرى سلسلة من الأدعية والدعوات عليه أن يقولها إذا ركب السيارة أو القطار أو المصعد، ومثلها عند الهبوط، وقبل المنام وساعة اليقظة. لم يكن فى أى من ذلك تقرب إلى الله تعالى أو ابتغاء مرضاته، وإنما كان «بيانا سياسيا» يجرى ترديده فى كل ساعات النهار، مصحوبة بتغيرات فى الملابس، واللحى، ثم التبعية لجماعات وجمعيات تسير فى الأحياء والمدن والقرى. تغيرت المفردات تدريجيا، فالسلام عليكم حلت محل «آلو» فى حديث التليفون، وعند التسليم بعد الصلاة كان المصرى يقول «حرما» ويكون الرد «جمعا» فى تمنٍ للذهاب إلى الحرم الشريف فى مكة. هذه حل محلها «تقبل الله»، والرد «تقبل الله منا ومنكم». الزيجات تغيرت ومعها الجنازات، ولم يعد «المرحوم» ترد هكذا وإنما مصحوبة «بإذن الله». كانت هناك «مخرطة» تعيد تشكيل الفرد وعقله، ومن بعده جاءت الجماعة.

الذائع فى تغيير الجماعة كان ما جرى فى الجامعات من حيث إنشاء الزوايا، وخلق التبعية فى الأحياء الفقيرة إلى قوافل الزيت والسكر، ولكن التخطيط المحكم جرى فى المؤسسات والهيئات العامة. وكانت الأداة هى الصلاة التى تحولت من كونها عبادة إلى بيان سياسى من الطراز الأول، وعندما كنت أعمل فى صحيفة الأهرام كان بها اثنا عشر دورا يجرى فيها كل يوم اثنا عشر أذانا ومعها اثنتا عشرة صلاة، وكلها تجرى فى الطرقات المقابلة لقاعات المحاضرات وورش العمل أو فى مواجهة المصاعد. ويبدو أن بعضهم كان يظن أن اللوحات الفنية من عمل الشيطان فبدأت عملية تخريبها. كانت عملية تشكيل الجماعة تجرى على قدم وساق وظهر ذلك عندما رفضت بشدة أن تكون صلاة الجماعة، كما يجب أن تكون فى جامع الصحيفة الواسع، وفى المؤسسة جامعان.

ما جرى للعقل المصرى لم يكن ناتجا عن التقاليد، أو التدين الشائع لدى المصريين منذ بدء الخليقة، وإنما كان نتيجة تخطيط محكم، وخبرة فى الدعاية والترويج لإنتاج «دراويش» مصريين يستعذبون السمع والطاعة، ولا يوجد لديهم لنشر العمران شىء. والأخطر أنهم فى حالة ذعر مستمر، من عذاب القبر، أو من مصائب لهم أو لأولادهم إذا ما تخلوا مرة واحدة عن قائمة الإجراءات الدينية التى عليهم القيام بها ما بين الساعة والأخرى. أصبح السلوك الدينى عملية تدريب مستمرة لا تتوقف، ومنها تجرى عمليات مستمرة للترابط الاجتماعى بالمصاهرة أو بالدروس الخصوصية.

الأمر كله فيه تفاصيل لا تعد من أول أذان التليفزيون وحتى مكبرات الصوت ساعة الصلاة فى زمن اخترعت فيها الساعة والأذان فيها، ولعل تجديد الخطاب الدينى جزء من القضية، وإنما الجزء الآخر هو تجديد السلوك الدينى بحيث يستطيع المسلم الصحيح أن يقوم بالمهمة التى أسندت إليه فى حياته: العمران فى الأرض. باختصار عودة العقل الرشيد الذى يفكر فى خلق السماوات والأرض، ويطلب العلم ولو فى الصين، ويبحث فى قوانين الكون ويفك أسرارها ويبحث عن تجلياتها. ونقطة البداية من الدولة، وما حدث فى جامعة القاهرة من إقامة الصلاة فى الجوامع يطبق على كل الجامعات والهيئات العامة، فالصلاة عبادة للاقتراب من رب العباد، ولكنها ليست بيانا سياسيا وتنظيما حزبيا يتم تكوينه وتركيبه من خلال جماعة أو جماعات سرية عرفت بشكل بارع خلال أربعة عقود أن تخلق عقلا مصريا آخر غير ذلك الذى كان يفكر فى «نهضة مصر» و«بنك مصر» ومصانع ومعامل وجامعات مصر. سلطة الدولة هنا هامة، ودور المثقفين فى تجديد الفكر أكثر أهمية، ولكن ما ينقص الجميع مشروع ليس على الطريقة القومية الناصرية وإنما لإطلاق إبداعات وابتكارات الأفراد. عشرات من دول العالم خرجت من دائرة الفقر والفاقة والتخلف إلى دائرة الغنى والتقدم لأن ناسها خرجوا من أنواع مختلفة من الدروشات التى تشل العقل الإنسانى وتجعله تابعا ومقلدا. لقد حان الوقت لكى نجيب على الأسئلة الصعبة ولا نكتفى بالصياح ولطم الخدود والتعجب من الحالة التى وصلنا إليها؛ ففى مصر يوجد ما يكفى من الطاقة والعلم والتاريخ ما يجعلنا نصل إلى إجابات سديدة.

------------------------
الخبر : عودة العقل الرشيد .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق