«شهيد الحق»

0 تعليق 10 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

تحدثنا فى المقالة السابقة عن الاحتفال برأس السنة القبطية التى ارتبطت بحِقبة الاستشهاد التى مرت على «مِصر» فى العصر الرومانيّ. وتحدثنا عن محبة شهداء هذا العصر؛ إذ قدَّموا جميع ما لديهم، حتى إنهم بذلوا حياتهم. وكان الشهيد المِصرى «مارمينا» نموذجـًا لما قدمه هؤلاء الشهداء.

ولكنّ موضوع «الاستشهاد» متعددة جوانبه؛ فكما ذكرنا سابقـًا فى معنى كلمة «شهيد»، فإنها كلمة مشتقة من الفعل الثلاثيّ «شَهِدَ»؛ وتدل على الشخص الذى لديه معلومات عن حدث شهِده فقدَّم هذه المعلومات وشهد بها. أمّا المعنى الاصطلاحيّ للكلمة، فهو يُشير إلى الإنسان الذى يُقتل فى سبيل شهادته لله. إلا أنه أيضــًا يمكن استخدام الكلمة فى معنى «استشهد فى سبيل كذا»: أى أنْ الإنسان بذل حياته تلبيةً وتحقيقـًا لغاية ما. وهكذا يقترن معنى الاستشهاد بالتضحية بالنفس فى سبيل: الله، أو الحق، أو الوطن، أو تحقيق غاية سامية من أجل الإنسانية. ولكن الإنسان لا يستطيع أن يضحى بحياته إن لم يكُن يملِك حبـًا تُِجاه من يضحى من أجله يفوق محبته لذاته.

شهداء متنوعون

شهداء لكلمة الحق

تُعد «الشهادة للحق» أحد المبادئ ذات الأهمية العظمى التى يعيش الإنسان بها ومن أجل تحقيقها، بل إن هناك أشخاصا يبذُلون ذواتهم من أجل ذلك الحق الذى أعلنوه فى حياتهم. ويُعتبر القديس «يوحنا المَعمَدان» أول النماذج البشرية وأعظمها فى تقديم الحق وإعلانه وعدم التراجع عنه، حتى إنه استُشهد من أجل تمسكه بالحق ودفاعه عنه.

عظمة «يوحنا المَعمَدان»

قَبل أن يولَد أعلنت السماء عظمة «يوحنا»، إذ قال الملاك عنه فى بشارته لأبيه «زكريا الكاهن»: «... وكثيرون سيفرحون بوِلادته، لأنه يكون عظيمــًا أمام الرب...». أيضــًا كان «يوحنا المَعْمَدان» محبوبــًا من جميع أفراد الشعب، فإذا تحدث أصغَوا إليه بسُرور عظيم. وكان مُهابــًا جدًّا لديهم، فقد كان فى أنظارهم نبيّ عظيم، حتى إن رؤساء الكهنة والكتبة وشُيوخ الشعب خافوا أن يُعلنوا أن «يوحنا» ليس نبيــًّا عندما سألهم السيد المسيح عن معمودية «يوحنا»، أكانت من السماء هى أم من الناس؛ فتشاوروا فيما بينهم قائلين: «إن قلنا: مِن السماء، يقول لنا: فلماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا: مِن الناس، نخاف من الشعب، لأن يوحنا عند الجميع مثل نبيّ».. ولم تتوقف عظمة هذا النبيّ ومهابته عند الشعب فقط، بل تخطت مداها إلى الحكام، إلى «هِيرُودُس» الرئيس على مَنطَِقة «الجليل»، الذى كان يُجِلّه ويهابه، مدركــًا أنه رجل بار وقديس؛ وكان يحب أن يستمع إلى كلماته وتعاليمه بفرح قلب.

البشارة بولادة «يوحنا المَعمَدان»

«يوحنا» اسم عبريّ يعنى «الرب حنّان»، وهو ابن «زكريا الكاهن» و«أليصابات» اللذين يذكر الكتاب فيهما أنهما «كانا بارَّين أمام الله وسالكَين بحسب وصاياه». وقد كانت أليصابات أمه عاقرًا، وهو ما كان يُعتبر عارًا فى العهد القديم. ولمّا وقع الدَّور على «زكريا» ليخدُِم فى الهيكل، ظهر له ملاك الرب «جَبرائيل» وبشره بأن الله قد استجاب لصلواتهما، وأنهما سيُرزقان بطفل يُدعى «يوحنا»، فقال له: «لا تخَف يا زكريا، لأن طلبتك قد سُمعت، وامرأتك أليصابات ستلد لك ابنــًا وتسميه يوحنا. ويكون لك فرح وابتهاج، وكثيرون سيفرحون بوِلادته، لأنه يكون عظيمــًا أمام الرب، وخمرًا ومُسْكِرًا لا يشرب، ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس...». كذلك تكلم الملاك عن خدمة هذا الإنسان النبيّ العظيم فى أنه سيدعو إلى التوبة قائلا: «... ويرد كثيرين من بنى إسرائيل إلى الرب إلههم. ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته، ليرُد قلوب الآباء إلى الأبناء، والعُصاة إلى فكر الأبرار، لكى يهيئ للرب شعبــًا مستعدًّا». إلا أن «زكريا» تعجب من كلام الملاك إذ كان هو وزوجته شيخين متقدمين فى الأيام؛ فأجابه الملاك: «أنا جَبرائيل الواقف قدام الله، وأُرسَلتُ لأكلمك وأبشرك بهذا. وها أنت تكون صامتــًا ولا تقدر أن تتكلم، إلى اليوم الذى يكون فيه هذا، لأنك لم تصدق كلامى الذى سيَتم فى وقته». ثم خرج «زكريا» من خدمته ولم يستطِع التحدث بل ظل صامتــًا حتى يوم ولادة «يوحنا». ولما تمت ولادة الطفل، سأله أقرباؤه عن اسمه، فطلب لَوحــًا وكتب عليه: «اسمه يوحنا»؛ «وفى الحال انفتح فمه ولسانه وتكلم وبارك الله»؛ وهكذا تمت كلمات الملاك إليه. وقد تحدث عن تلك الأمور سكان اليهودية وتساءلوا: ««أتَرى ماذا يكون هذا الصبيّ؟»؛ وكانت ولادته قبل ولادة «السيد المسيح» بستة أشهر، ويُذكر أن يد الرب كانت معه، وأنه عاش حياته فى البرارى ناسكــًا زاهدًا؛ فقد كان «لِباسه من وبر الإبل وعلى حَقْويه مِنطقة من جِلد. وكان طعامه جرادًا وعسلــًا برّيــًّا»، حتى يوم بَدء خدمته فى سن الثلاثين- السن القانونية لبداية الخدمةـ بمناداة الشعب بالتوبة.

«يوحنا المَعمَدان» والحق

بدأت رسالة الحق فى حياة القديس «يوحنا المَعمَدان» مع بَدء خدمته التى استمرت زمنـًا قصيرًا- ستة أشهر تقريبـًا- حيث كانت دعوته الأساسية للشعب هى «التوبة». لقد كان يُدرك القديس «يوحنا المَعمَدان» أنه لا سبيل أمام الشعب للنجاة من غضب الله إلا بتوبة كل أحد عن خطاياه، فلم يفتُر عن المناداة قائلا: «توبوا، لأنه قد اقترب ملكوت السماوات». وقد بدأت خدمته ومناداته بالتوبة فى السَّنة الخامسة عشْرة من وِلاية «طِيبَارِيُوس قيصر»، وكانت الرئاسة الدينية آنذاك متمثلة فى رئيسِ الكهنة «حَنَّانَ» و«قَيافَا». وكان القديس «يوحنا المَعمَدان» يسكن البرية، حتى أمره الله أن يخرج إلى الشعب فى جميع الكورة المحيطة بـ«نهر الأردن» مناديـًا بالتَّوبة.

كذلك قدَّم هذا النبيّ العظيم «الحق» فى تعليمه للشعب أن يصنع أعمال الخير والرحمة، محذرًا إياه من الأعمال الشريرة التى ستجلُب عليه غضب الله؛ فحين سألته الجموع: ««فماذا نفعل؟» أجاب وقال لهم: «من له ثوبان فليُعطِ من ليس له، ومن له طعام فليفعل هكذا»، وأجاب العشارين محصلى الضرائب: «لا تستوفوا أكثر مما فُرض لكم». وقال للجنود: «لا تظلموا أحدًا، ولا تَشُوا بأحد، واكتفوا بعلائفكم».

أمّا صوت الحق الذى هز الحاكم الرومانيّ، فقد كان واضحـًا عندما تردد صوت النبيّ «يوحنا المعمدان» بالحق قدام الجميع، ولم يخشَ الوُلاة؛ فعندما أراد «هِيرُودُس» أن يتزوج بـ«هِيرُودِيا» امرأة أخيه، عارضه يوحنا قائلا: «لا يحِلّ أن تكون لك امرأة أخيك». وقد أدت غيرته هذه للحق إلى أن يُسجن، فيذكر الكتاب: «فإن هِيرُودُس كان قد أمسك يوحنا وأوثقه وطرحه فى سجن من أجل هِيرُودِيا امرأة فيلُبس أخيه...». وقد حاول هِيرُودُس قتل يوحنا، لكنه لم يستطِع خوفـًا من الشعب الذى كان يَعُدّه نبيـًّا عظيمـًا. كذلك سعت هِيرُودِيا لقتله، لكنّ الفرصة لم تواتِها. إلى أن تحينت هى الفرصة فى يوم ميلاد هِيرُودُس عندما دخلت ابنتها ورقصت أمامه؛ فسُرّ بها هو والمتكئون معه، ووعد الصبية أن يَهِب لها ما تشاء؛ فسألت أمها عما تطلبه فأجابتها أن تسأله رأس يوحنا المعمدان على طبق!! فأسرعت الفتاة بطلبها إلى الملك الذى لم يستطِع التراجع عن قسَمه، وأرسل سيافــًا آمرًا بإحضار رأس يوحنا المعمدان؛ فمضى السياف وقطع رأسه بالفعل وهو فى السجن. وهكذا صار القديس يوحنا المَعمَدان أُنموذجـًا لكل من شهِد بالحق.

وإن كنا قد احتفلنا قبل أيام قليلة بذكرى استشهاد هذا النبيّ العظيم الشاهد لأجل الحق، فمِصر دائمـًا لديها أبناؤها الأجلاء الذين شهِدوا وما زالوا يشهدون من أجل الحق، و... وعن مصر الحلوة الحديث لا ينتهى...!

* الأسقف العام رئيس المركز

الثقافى القبطى الأرثوذكسى

------------------------
الخبر : «شهيد الحق» .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق