التحميس بالتقديس والتهميش بالتشويش

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

بعد توقف دام طويلاً لأسباب يعرفها كثيرون، نعاود اليوم كتابة المقالات الأسبوعية «والقلب فيه ما فيه» مستكملين سبيل السباحة ضد التيار الارتدادى المضطرم، المضطرب، الذى يريد المستحيل: العودة بالزمن إلى الوراء للعيش فى الماضى الذى انقضى وانطوت صفحته.. ولن تعود عقارب الساعة إلى الوراء، مهما استمات أصحاب التوهمات، لكننا، مع رفضنا العيش فى الماضى، نرفض القطيعة معه والانقطاع عنه، لأن تراثنا القديم ذخيرة فينا ما دمنا نعى به ونستلهم منه ونستهدى بمناراته ونقاطه المضيئة، انطلاقاً من القواعد العامة التى صاغها لنا قدماؤنا بأنصع العبارات وأرهف المفاهيم، مثلما نرى مثلاً فى قول ابن خلدون: يجب علينا إعمال العقل فى الخبر.. وقول ابن النفيس: ربما أوجب استقصاؤنا النظر، عدولاً عن المشهور والمتعارف.. وقول الإمام الجيلانى: إياكم والاعتياد.. وقول النبى: ألا لا يمنعن رجلاً هيبة الناس، أن يقول بحق إذا علمه.

وتلك وأمثالها، ليست زخارف أقوال نتسلى بترديدها وإبداء الإعجاب ببلاغتها، وإنما هى قواعد منهجية نستعين بها عند مواجهة موروث التخلف الذى ران على عقولنا عدة عقود من الزمان، انحدر خلالها العقل الجمعى المريض إلى الحضيض، حتى ابتعدنا عن إيقاع العالم المعاصر وصارت بلادنا مواطن بلاء، تتفاقم فيها سخائف المشكلات ويموت بسببها الناس وتحتدم الحروب.

ولا سبيل أمامنا اليوم، فيما أرى، إلا القيام بثورة ثقافية بالمعنى الذى شرحته بالتفصيل فى الفصل الأخير من كتابى الصادر قبل شهر بعنوان «شجون مصرية» وهى ثورة لا تصطخب فى الشوارع والميادين وإنما فى العقول والأذهان، هادفة إلى الخروج من دهليز التدهور الحضارى الذى نقبع فيه، بإعادة النظر فى المفاهيم الأساسية والتصورات العامة التى تقوم عليها الأفكار والمعتقدات الفرعية التى تتحكم فى سلوك الأفراد والجماعات.. وهذا أمر ليس بالهين، وهو مطلب تقوم فى طريقه عوائق عديدة لابد من إزالتها، منها ما جعلناه عنواناً لهذه المقالة الأولى من سباعية القدس «بيت المقدس، إيليا، بيت هميقداش، أورشليم، أوروساليم، يبوس».

وبالمناسبة، فسوف تكون هذه المقالات أحياناً على هيئة سباعيات مقالاتها منفصلة متصلة، وأحياناً على هيئة مقالات مفردة أو ثلاثيات، بحسب طبيعة الموضوع المطروح أمامنا للنظر وإعادة الاعتبار، ومكوناته الرئيسية التى يجب تفكيكها وإعادة بنائها فى أذهاننا على نحو أكثر عقلانية ومنطقية، وأقل غموضاً والتباساً.. وأحياناً، سيكون لقاؤنا الأربعائى هذا، مع قصة قصيرة أو نص أدبى ينفض عن اللغة الغبار.

■ ■ ■

والآن، نعود إلى المقصود من عنوان مقالة اليوم، لنرى معاً كيف يكون التحميس بالتقديس من جهة، ويكون التهميش من الجهة الأخرى بالتشويش؟.. دعونا نستعرض بعض الأمثلة مما رأيناه معاً خلال السنوات الخمس الماضية، الملتهبة، التى أودت بمصير عدة بلاد عربية، وسوف أقتصر فى إيراد الأمثلة والشواهد، على الحوادث والوقائع الكبرى التى جرت فى أنحاء مصر:

بعد أيام قلائل من اندلاع ثورة يناير 2011 ولفترة طويلة تالية، رأينا من الغرائب والعجب العجاب كثيراً، فالثورة التى قامت لهدف سياسى هو إسقاط النظام الحاكم و«وأد» فكرة توريث الحكم، وغاية اجتماعية هى القضاء على رموز الفساد وزمرة الناهبين، حفلت بتظاهرات حاشدة تنادى بل تزعق فى الشوارع بشعارات مثل: إسلامية إسلامية لا شرقية ولا غربية «كأن الثورة اندلعت لتبحث عن هوية مصر».. على القدس رايحين شهداء بالملايين «دون تفسير لإقحام القدس فى الأمر! ولماذا شهداء وليسوا منتصرين؟».. خيبر خيبر يا يهود!

وسرعان ما التهب الحال بحجة أن امرأة «مسيحية» اسمها «كاميليا» يقال إنها أسلمت وأهلها يمسكونها فى كنيسة! وبدأ آنذاك مسلسل البؤس «إحراق الكنائس» لتحرير كاميليا المشكوك فى قصة إسلامها، بينما تعانى النسوة المسلمات من مشكلات لا حصر لها لم تحرك حماس متظاهر واحد «العيش بالعشوائيات، الأنين تحت وطأة الفقر، العنوسة، التحرش الفاجر.. وغير ذلك» ثم كانت فاجعة «أبوالنمرس» حيث سُحل وقتل أبرياء بتهمة أنهم: شيعة يسبون صحابة الرسول الذى جاءنا بالدين! من دون انتباه إلى أن الجهلة والعوام يسبون الدين نفسه أحياناً فى العلن، دون أن يثير ذلك بواطن الثائرين.. وفى تلك الفترة الفوضوية، ترشح للرئاسة د. محمد مرسى فكان يستعمل فى دعايته الهجوم غير المبرر على اليهود الذين كان يصفهم بأنهم أحفاد القردة والخنازير «كأنه مؤمن بنظرية التطور»، فلما استقام له الأمر الرئاسى، راح يغازل حكام إسرائيل والمسؤولين الأمريكيين بكل معسول الكلام.

فى تلك الأمثلة دليل على أن العقل الجمعى المصرى، أعنى النظام الإدراكى لغالبية الناس لاسيما العوام منهم، به من الخلل والتخريف مقدار كبير يسمح بإثارة الحماس لأية قضية، مهما كانت باطلة أو غير مناسبة التوقيت أو مختلقة، بسكب «القداسة» عليها وإعلائها فوق ما عداها باعتبارها مسألة دينية.. وعلى هذا النحو، اكتسح الذين لعبوا بالتدين المشهد السياسى العام، وتمكنوا من الوصول إلى الحكم فى غفلة من العقل القويم، فكانت الورطة التى دفعنا ثمنها غالياً وسوف نظل ندفعه إلى حين قد يطول.

وقد اقترن «التحميس بالتقديس» ببزوغ الشأن السياسى لرافعى راية الإسلام والمستفيدين منه، وبأفول نجمهم أيضاً، وكلنا شهود على ما كان يهرف به الرئيس الإخوانى فى سويعات حكمه الأخيرة، قائلاً: دمى فداء للشرعية.. مستغلاً التقارب اللفظى والمعنوى بين كلمتى «الشرعية، الشريعة»، وموهماً سامعيه بأن السلطة السياسية هدف تجوز من أجله «الشهادة» وغاية تستحق سفك الدم، ومن هنا، خرج أعوانه الموتورون يقتلون الناس بإطلاق الأعيرة العشوائية تجاه البيوت، ويُلقون بالصبية من فوق الأسطح على مشهد من الجيران، من دون أى شعور بالذنب أو بالتجنى، ومن غير حرص على أرواح الناس أو أرواحهم هم! لأن السعى للسلطة السياسية صار مكسواً بالقداسة المثيرة للحماس الدينى، والدين فيما يتوهمون أهم وأسبق وأولى من الدنيا «مع أن العكس أصح، إذ لا يقوم الدين إلا فى مجتمع»، وبالتالى، فلا بأس عندهم أن يقتلوا المسلمين ويقتلهم المسلمون، ماداموا يدافعون عن الشرعية.. عن الشريعة.. عن الدين.. عن الله! مع أن الله قال فى قرآنه الكريم إنه جل علاه يدافع عن الذين آمنوا، وليس العكس.

كما اقترنت حيلة التحميس بالتقديس «التى تعلمها الإسلاميون من اليهود والمتهودين، حسبما سنرى فى مقالة الأسبوع القادم» بحيلة أخرى لا تقل خبثاً ووضاعة ومناسبة لعقول العوام من الناس، هى «التهميش بالتشويش» حيث يتم صرف الأنظار عن القضايا والمسائل المهمة، بأخرى مختلقة يتم الترويج على نطاق واسع لها، وتوجيه الأنظار بقوة إليها، فينجرف اهتمام الناس إلى وجهة بعينها تناسب أصحاب الأغراض، وينصرف الاهتمام عن الأمور الأهم.. ولنتذكر بعض الأمثلة:

فى الفترة التى كان الإخوان والسلفيون يمهدون فيها لدولتهم التى ظنوا أنها ستدوم لهم خمسين عاماً على الأقل، وكانوا خلالها يُفرغون الوظائف العامة لأتباعهم، ويمنحون الجنسية وبطاقات الرقم القومى لعشرات الآلاف من الوافدين على سيناء بالأسلحة، ويجتهدون بحماس لرفع شأن أعضاء حركة حماس، ويعدلون الدستور.. كان إعلامهم يثير عبر جماعة من المعتوهين مسائل، مثل: ما السن الشرعية لزواج الفتيات، تسع سنوات أم سبع سنوات أم لا تشترط السن مادامت البنت تطيق النكاح «مع أن الفتيات فى مصر والفتيان، فريسة العنوسة وتأخر سن الزواج!».. التهويم بأن هناك «حارة مزنوقة» يجتمع فيها أعداء مصر وعملاء المؤامرة الكونية، الماسونية، الصهيونية، الإمبريالية.. إثارة نفوس الناس بحلقات تليفزيونية كتلك التى قدمتها قناة الجزيرة بعنوان «فلسطين، مأساة وطن»، بينما عدة بلاد عربية تتداعى كالجدار المهيأ للسقوط.. اختطاف ثلاثة يهود من سكان إسرائيل وذبحهم، ومن ثَمّ قيام «جيش الدفاع» بتدمير غزة وقتل ما يزيد على ألف ومائتى شخص، ليس من بينهم بطبيعة الحال الذين اختطفوا اليهود وقتلوهم.

إذن، ارتبطت الحيلتان «التحميس بالتقديس» و«التهميش بالتشويش» وصارت بينهما تفاعلات وتفعيلات مصطنعة، طيلة السنوات الخمس الماضية.. ولم يقتصر استعمالهما على الإخوان والسلفيين والذين يُسمون «رجال الدين»، وإنما سلك هذا السبيل أيضاً أعضاء المجلس الذى أدار البلاد من بعد سقوط مبارك، فترسخت الحيلتان وصارتا نهجاً لكل من أراد اللعب الرخيص على الصعيد العام، ومنهجاً مذموماً لدى كثير من الناس، منهم مثلاً الزاعقون اليوم والناعقون لإيقاد نار الحرب بين السنة والشيعة.. ومن هنا، ندخل لمسألة بيت المقدس وما يتعلق بها من كلام عن مفهوم الإسراء والمعراج وقداسة الأقصى «الجريح» والقدس «الأسير» ومكانة المدينة المسماة زوراً: دار السلام.. فدعونا نروِ بدء الحكاية.

■ ■ ■

فى غمرة الطغيان الجارف لمشاعر الكراهية والغل، كنت على سبيل «العلاج بالضد» أكتب فقرات فى «فقه الحب».. ثم جمعتها فى كتاب بهذا العنوان، أرادت بعض البرامج التليفزيونية الاحتفاء بصدوره، فخرجت فى حلقة على الهواء مع المذيع الشهير عمرو أديب، الذى كان قد استعرض قبيل اللقاء الأخبار الجارية، ومنها هجوم بعض المسيحيين المصريين على البابا تواضروس، لأنه زار مدينة القدس.. فقلت فى ثنايا كلامى، إن هذا دال على جهلهم بتراثهم، لأن المسيحية لا تعرف «القدس» وإنما المقدس عندهم هو «إيلياء» التى قامت بعد تدمير القدس على يد الإمبراطور إيليانوس مادريانوس «هادريان» أما بيت المقدس فهو وصف عبرانى لأورشليم، أخذه المسلمون عن اليهود. سألنى: وماذا عن الإسراء والمعراج؟ قلت إن الإسراء ثابت فى النص القرآنى ولا مجال لإنكاره، أما المعراج فلا أعرف من أين جئنا به «وهو غير مذكور فى القرآن».. فوقعت الواقعة التى فيها تم تطبيق حيلة التحميس بالتقديس، وحيلة التهميش بالتشويش، فثارت فى بعض النفوس نوازع الكراهية والمقت وأزيح «فقه الحب» عن المشهد.. على النحو العجيب التالى:

بعد انتهاء البرنامج بنصف الساعة فقط، خرجت البوابة الإلكترونية لإحدى الصحف المصرية المعروفة بالابتذال والفبركة، بعنوان كاذب لافت للأنظار «يوسف زيدان ينكر الإسراء والمعراج» وبعد ساعتين نشرت الصحيفة ذاتها كلامى تحت عنوان أعتى ابتذالاً وأوقح فبركة، «يوسف زيدان يدعى أن القدس من حق اليهود» وفى الصباح الباكر، وبعد اتصال تليفونى بأحد المدرسين بجامعة الأزهر، لم يسمع الناس باسمه من قبل ومن بعد، نشرت الجريدة التى لا تحظى باحترام أحد موضوعاً بعنوان «الأزهر يكفِّر يوسف زيدان».. وفى الظهيرة، كانت العناوين الثلاثة قد تناقلتها المواقع الصحفية العرجاء، على الصورة نفسها «الكاذبة، المشوِّشة».

وفى اليوم التالى، التقطت قناة الجزيرة وشبكة «رصد» البائسة، الخيط المهترئ، فنزلت إلى الشوارع بكاميرا تستوقف الناس بسؤال: ما رأيك فى «فلان» الذى ينكر الإسراء والمعراج؟ فيرد العابرون، أو بالأحرى بعضهم: كافر.. فيصير ذلك هو العنوان! وبعد يومين، تم التقاط بعض العبارات المبهمة المشوَّش عليها والمشوَّش بها، واقتطاع فقرات من محاضرة عامة لى موجودة على «اليوتيوب» منذ قرابة عامين، وليس فيها من قريب أو بعيد ما يفيد «العنوان» الذى قامت القناة الحقيرة بوضعه تدليساً وتزويراً: السيسى يكلف المثقفين بالتمهيد لبيع القضية الفلسطينية. «ويعلم الله أن كلمات فلسطين والقدس والإسراء والمعراج، لم ترد قط فى حديث دار بينى وبين الرئيس.

وعلى طريقة الحقراء من أهل الدسّ والتدليس، وإمعاناً فى التحميس بالتقديس والتهميش بالتشويش، وصفت الأبواق الإخوانية الموتورة هذه الكذبة الحقيرة بأنها: تسريب خطير. «ويعلم كثير من الناس أن المحاضرة المقتطف منها الكلام المشوَّش، كانت قبل قرابة عامين، وكانت علنية، فليس فى الأمر أى تسريب.

ولأن غالبية الناس يكتفون عادة بقراءة العناوين، ولا يستوثقون، فقد صار الكذب كأنه اليقين.. وخلال عشرة أيام، نُشرت عشرات المقالات الزاعقة الناعقة الناعية حال فلسطين! وكنت قد نويت تجاهل الأمر برمته، إلا أنه اتّسع على نحو أهوج، فصار من الواجب التبيان، تلافياً لمزيد من الخوض فى هذه النقيعة والوقوع فى شَـرَك تلك الوقيعة.. ولذلك عرضت رؤيتى فى حلقة تليفزيونية مع «خيرى رمضان» أورد عليها بعض الأفاضل ملاحظات، وعلى رأسهم د. على جمعة، د. عدنان إبراهيم، الحبيب الجفرى.. وفى الأسابيع المقبلة، سوف أورد رؤيتى متكاملة الأركان، وأوضح غايتى من طرح هذه القضية، مستفيداً من الملاحظات التى تفضل هؤلاء الأفاضل بإيرادها، وردودى عليهم، وتثبيت ما أراه «وقد يكون خاطئاً وقد يكون صائباً».. وسوف تكون مقالة الأربعاء القادم، بعنوان يُفصح عن محتواها: الاستعمال السياسى للدين «اليهودى».. وتأتى المقالة التالية لها بعنوان: الاستعمال السياسى للدين «الإسلامى»، ثم نتحدث بعد ذلك عن «العروج» وعن «الإسراء» وعن آفاق الحلول الممكنة لمشكلة فلسطين وحروب العرب والعبرانيين «المسلمين واليهود» وهى الحروب التى يتكسَّـب منها كثيرون ممن لا يقدرون قيمة الإنسان ودمه المسفوك هباءً.

------------------------
الخبر : التحميس بالتقديس والتهميش بالتشويش .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق