اخبار الثقافة الان ... محمود قرني يكتب: «كلنا عبده العبيط» لمحمود فطين.. التهكم كنوع من الاستشفاء

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

ذات مرة سُئِل هنري ميللر عن فن القصة فقال: «إنه فن الانخطاف الواعي الذي سيسحقه العصر الصناعي». ويكاد المرء لا يفهم شيئا من تلك المقولات التي تنتصر للأشياء وتنتصر، بالحماس نفسه، لنقائضها. ولكي لا نسيء فهم الرجل دعونا لا نبحث عن جريرة ارتكبها فن القصة القصيرة حتى يلقى هذا المصير. الأجدر بنا أن نبحث في أسباب سطوة فنون أخرى بدت استجابة لحاجات المؤسسات السياسية الكبرى في العالم ضمن أعطيات عصر المعرفة المعولمة، التي أولت عناية خاصة لتفكيك ما يسمي بالسرديات الكبرى، لتحويل فكرة ما بعد التاريخ إلى واقع تحل فيه المدنية وآلتها العسكرية محل الحضارة بأدواتها الناعمة.

وهنا يبدو تمدد فنون الصورة والمشاهد السردية الممتدة. فالرأسمالية عابرة الجنسيات تحتاج رواة وساردين يُسلُّون وحدة ملايين العمال ويخفضون، بمشاهدهم الساحرة، من سقف حالة التشيوء في المخيمات والملاجئ. الساردون الجدد أكثر طواعية لحاجات زمنهم لأنهم أكثر قدرة على التكيف، ومن ثم أكثر قدرة على تبادل المواقع مع السلطة، أو على الأقل القيام بأدوارها إذا دعت الحاجة إلى ذلك.

وهذا موضوع طويل ومركب لا يجب أن تكون مجموعة «كلنا عبده العبيط» للكاتب «محمود فطين» واحدة من ضحاياه لثلاثة أسباب، أولها: أن المجموعة تستفيد من أحدث أشكال السرد وتغامر، على ما سنرى، بانتهاك المستقر من قواعده، ثانيها: توقد وعي الكاتب عبر متابعته الدقيقة للتحولات السياسية والحضارية والفكرية ليس في الجغرافيا التي ينتمي إليها فحسب، بل في العالم كله. وثالثها: ارتباط النص وصاحبه بثورتي يناير ويونيو ووعيه بالمآلات المؤسفة التي وصلتا إليها لأسباب مختلفة على رأسها اعتقاد شباب الثورة أنهم يمثلون المعادلة الصعبة وسط تلك الكتلة التي صنعت الثورة، ثم يكتشفون، عقب عودة الناس إلي بيوتهم، أن ميزان القوة يشهد تحولا خطيرا وكاشفا لحقيقة مؤلمة هي انعدام التأثير ومن ثم الخروج من معادلة المستقبل.

كل هذا خلق مبررا عميقا لفكرة التهكم الذي تكشف عنه العديد من قصص المجموعة. ففي عمق المأساة التي كادت تنهي حياة السارد مع صديق له في ميدان التحرير إبان ثورة يناير وبعد استيقافهما من عدد من البلطجية وسرقة حقيبة الراوي بما فيها قصصه التي يعكف عليها عبر عدة سنوات. تتحول المأساة عبر عدة مفارقات إلى نوع من السخرية المرة من رفيقه من هذا الاهتمام المفرط باستعادة الحقيبة التي تعادل الرغبة في استعادة الحقيقة. ويدور حوار هازل في قسم الشرطة عندما يملي الراوي على أمين الشرطة أن الحقيبة بها أوراق هامة فيسأله عن طبيعتها فيسخر صديقه من الأمر. ثم يفضح الكاتب سرديته القصيرة المفارقة في النهاية بالقول: «وبعد ما يقل عن أربع سنوات كتبت هذا النص، منه إهداء لذلك الرجل الطيب، الذي لا يعرفني ولا أعرفه ولن أراه ثانية على الأرجح: المواطن حمدي مصطفى شاهين من مركز الشهداء منوفية، ومنه تمرين علي الكتابة عن الذات.. ومنه قصة زيادة تنفعني لو تعاملت مع ناشر يزن المجموعة بالكيلو قبل أن ينشرها، وأهو كله على الله!!».

وكما يتبدي فإن التهكم هنا لا يستثني قيمة ما، بداية من الفن الذي ينتمي إليه الكاتب على ما يحوطه من قداسة، والمواطن المجهول الذي وجد الحقيبة وأعادها لصاحبها، ثم ناشر الكتب الذي يفارق وعيه مفهوم الكتابة لدرجة مثيرة للضحك. ولاشك أن التهكم هنا يكمن في كسر قداسة الأشياء وكأنما هو إعادة هدم وبناء لكل القيم التي تعرت على نحو يبدو مخزيا. الأمر نفسه سنجده في قصة المجموعة «كلنا عبد العبيط» حيث صديق الطفولة الذي ينظر إلى السماء دائما منذ صغره ويقلد الطيور ويصنع أجنحة من يديه طامحا في الطيران إلى جوارها. سيكبر الحلم داخل البطل حتى يذهب لكليات الطيران بأنواعها بعد أن تزايدت معارفه بكل أنواع الطائرات في العالم، لكن أيا منها لا تقبله، وينتهي به الأمر سائق توكتوك مكتوب على خلفيته بخط واضح وواثق «عبده الطيار»!!

الأمر نفسه يتكرر في قصة «مشروع الدقائق الخمس» وهي بين أكثر قصص المجموعة طرافة وإيلاما. فهي تتناول ذلك الشخص الذي يبحث عن مكان خال ومناسب يبكي فيه وحده ولو لمدة خمس دقائق فقط، فيجرب أكثر من مكان بما فيها المسجد، لكنه يفشل في النهاية أمام عشرات الطواطم التي عليها دائما أن ترسم محددات السلوك الاجتماعي، لكنه يقرر العودة إلي المسجد مرة أخرى، محاولا البكاء في الحمام، وعندما يبدأ بالنشيج يجد من يصفع الباب بقوة قائلا له: «ما تحترموا نفسكوا شوية وتخافوا ربنا.. حرام .. ده جامع»!! وإذا كانت تلك القصة تعد تعبيرا عن أعلى أشكال القهر المتغلل في البنية الاجتماعية فإن قصة «عرض خاص» تبدو تمثيلا لأعلى تعبيرات العبث، حيث امرأة ما تتصل عشوائيا ببطل القصة لأنها لا تجد من يسلي وحدتها بعد أن هجرها خطيبها، ويدور حوار مفارق بين امرأة محدودة الوعي يقتلها الفراغ وبين بطل مهموم بالواقع السياسي والاجتماعي ورفاق التنظيم والحزب، وقد نجح الكاتب في خلق المسافة الواعية بين مستوى وعي بطلي القصة بحيث يبدو الأمر في النهاية كاشفا لحجم العزلة التي يعانيها الخطاب السياسي وسط أناس مشغولين بأشياء تبدو مضحكة. وإذا وضعنا في الاعتبار أن القصة مكتوبة في نوفمبر 2011 فإن المفارقة ستبدو أشد مأساوية، حيث الثورة كانت لا تزال في الشارع، ومع ذلك فإن ثمة مغيبين لا يعنيهم من الأمر شيئًا.

يبدو الهم السياسي ضاغطا أيضا في قصة «السحب» التي تقع أحداثها بين مجموعة من رفاق العمل السياسي الذين يسعون إلي توسيع دائرة الاستقطاب، لكن شيئا ما خلف حوارهم يبدو محبطا، ويظل السؤال المعلق دائما «نسكت وللا نكمل» ثم تنتهي القصة أيضا نهاية مفارقة طبقا لهلوسات البطل الذي يظل ينادي على أصدقائه الذين ولجوا إلي البحر نداء يحتمل الكثير من التأويل: «ارجعوا الأرض بتتسحب.. الأرض هتضيع».

وكما هو واضح فإن قصص المجموعة تتراوح بين ثيمتين رئيسيتين، أولهما: تحويل المأساة الإنسانية إلي مادة للتهكم والسخرية كطريق للتعاطي معها. هذا يعني بالضرورة أن الكاتب ينتصر لفكرة الهدم والتفكيك مقابل الأبنية التقليدية شبه المقدسة. وهذا التصور الذي يبدو مداجيا ومحبذا للعبث والجنون يعكس قناعة الكاتب بضرورة وضع العقل الوثوقي أمام أزمته. وثانيهما: تحويل الفن إلى نوع من اللعب برغم ما يبدو لدى الكاتب من قناعة بفكرة الالتزام، وهو تصور يقع ضمن أعلى المبالغات في التصورات المعرفية للكتابة، ولا يمكننا فهم فكرة فضح القصة في نهايتها سوي باعتبارها عودة إلى مقولات مدرسة الفن للفن، لكن محمود فطين هنا ليس مؤمنا تماما بما قاله شيللي من أن «الفن ليس إلا عمل يسلي به الفنان وحدته»، فإذا كان أصل ذلك التوصيف يمثل نوعا من الاستهانة التي تعاملت بها مدرسة الفن للفن مع المتلقي فإن الواقعية الجديدة التي تكلل عمل فطين قد أخذت من مفهوم اللعب بحثه عن المتعة، ورغم أنها لم تقدس القارئ إلا أنها لم تمتهنه.

ورغم سيطرة الراوي سيطرة كاملة على مضامين الحكي بطول المجموعة، إلا أنه لم يقع في شرك ما يسمي بـ«الراوي العليم» الذي هو مالك الحقيقة ومقرر مصائر الأبطال في الرواية التقليدية، فرغم استخدام فطين لأكثر الأساليب تقليدية في الحكي إلا أن مساحات العبث التي تصادف مصائره ومصائر أبطاله بددت تماما فكرة الراوي العليم، بل جعلت من ذلك الراوي الذي كان إلها في الماضي مجرد أمثولة سيشفق الجميع علي مصيره وسيدعون له في كل مرة بالنجاة.

بقي القول أن السرد المحكم المعزز بدرجة رفيعة من التشويق والخفة والإحكام يعني أننا أمام مجموعة فريدة بحق، تنوعت فيها أساليب التناول، بحيث أننا سنعثر علي النمط القصصي وقواعده الصارمة في مقاطع شتى، ثم سنجد الكاتب يضرب بتلك القواعد الصارمة عرض الحائط في القصة نفسها، سيختار الاسترسال في السرد أحيانا وسيختار الكتابة البرقية والتلغرافية في مواقع أخرى، وسيتكلم بصوت الراوي مرات وبصوت المروي عنه مرات أخرى، وسيبدو حكيما أحيانا، وطائشا في معظم الأحيان، سيستخدم لغة شفافة ونقية ومتماسكة وجزلة في الكثير من المواضع وسيستخدم لغة الشارع بطاقاتها التعبيرية المثيرة والتداولية، وهذه هي الكتابة في مظانها، فشكرا لمحمود فطين.

------------------------
الخبر : اخبار الثقافة الان ... محمود قرني يكتب: «كلنا عبده العبيط» لمحمود فطين.. التهكم كنوع من الاستشفاء .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق